محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

352

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه تعالى ، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرّة باللّه » « 1 » . قال بعضهم : « هي أسرار اللّه تعالى يبديها اللّه إلى أنبيائه وأوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة ، وهي من الأسرار التي لم يطّلع عليها أحد إلا الخواص . وقال أبو بكر الواسطي ، رضي اللّه تعالى عنه ، في قوله تعالى وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران : 7 ] : « هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب ، وفي سرّ السرّ ، فعرّفهم ما عرّفهم ، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة ، فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم وعجائب النظر بحارا فاستخرجوا الدرر والجواهر ونطقوا بالحكمة . وصني بسرّ اسمك المصون . الصون المطلوب : هو صيانته عن رؤية الأغيار بما يتجلّى لقلبه من سرّ الأسرار . إلهي : حققني بحقائق أهل القرب . حقائق أهل القرب هي : الفناء في التوحيد ، والتحقّق بالتجريد ، فتبطل في حقهم رؤية الأسباب ، ويزول عن مطمح نظرهم كلّ ستر وحجاب ، كما قال سيدي أبو الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه في « حزبه الكبير » : وأقرب منّي بقدرتك قربا تمحق به عنّي كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك فلم يحتج لجبريل رسولك ، ولا لسؤاله منك ، وحجبته بذلك عن نار عدوك ، وكيف لا يحجب عن مضرّة الأعداء من غيبته عن منفعة الأحباء ، كلّا إني أسألك أن تغيبني بقربك مني حتى لا أرى ولا أحسّ بقرب شيء ولا ببعده عنّي إنك على كل شيء قدير . واسلك بي مسالك أهل الجذب . أهل الجذب هم المحبوبون ، ومسالكهم في غاية السهولة لا تعب عليهم فيها ولا مشقّة ، بل يجدون اللذّة والحلاوة في أعمالهم ، وذلك من قبل أنه أخرجهم من أسر نفوسهم ، وتولّاهم بكلاءته ورعايته من غير مجاهدة منهم ولا مكابدة .

--> ( 1 ) أخرجه العراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 21 ) ، والمنذري في ( الترغيب والترهيب 1 / 103 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 166 ، 2 / 66 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 28942 ) ، وابن كثير في ( التفسير 6 / 357 ) ، والسيوطي في ( اللآلىء المصنوعة 1 / 115 ) ، والألباني في ( السلسلة الضعيفة 870 ) .